عبد الباقي مفتاح
55
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
غيرهم فإنه منه أوجدهم . فمن يستعان عليه فهو فيما يستعان فيه أقوى مما يستعان به . فكل ملك خلقه اللّه من أنفاس النساء هو أقوى الملائكة فإنه من نفس الأقوى . فتوجه الاسم الإلهي القوي في وجود القوة على إيجاد ملائكة أنفاس النساء أعظم للقوة فيهم من سائر الملائكة وإنما اختصت الملائكة بالقوة لأنها أنوار . وأقوى من النور فلا يكون لأن له الظهور وبه الظهور وكل شيء مفتقر إلى الظهور ولا ظهور له إلا بالنور في العالم الأعلى والأسفل قال تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقيل إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما قيل له : أرأيت ربك ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : نور أنى أراه . وقال لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه . والسبحات الأنوار . فهي المظهرة للأشياء والمفنية لها . ولما كان الظل لا يثبت للنور والعالم ظل والحق نور فلهذا يفنى العالم عن نفسه عند التجلي فإن التجلي نور وشهود النفس ظل . فيفنى الناظر المتجلي له عن شهود نفسه عند رؤية اللّه . فإذا أرسل الحجاب ظهر الظل ووقع التلذذ بالشاهد . وهذا الفصل فيه علم عظيم لا يمكن أن يقال ولا سره أن يذاع ، من علمه علم صدور العالم علم كيفية . واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . فانظر كيف تكلم الشيخ في هذا الفصل على مسألة الرؤية الموسوية للمناسبة بينها وبين فص موسى لاستمدادها معا من الاسم ( القوي ) . وكلامه على المرأة مناسب لكلامه في هذا الفص عن وجود العالم بحركة الحب بدءا من قوله : " فان الحركة أبدا إنما هي حبيبة . . . ففر لما أحب النجاة . . . " كما تكلم على أم موسى وامرأة فرعون وبنتي شعيب . وكلامه في هذا الفصل على تجلي النور مناسب لكلامه في آخر الفص على التجلي والكلام في صورة النار التي طلبها موسى خدمة لأهله : " كنار موسى رآها عين حاجته وهو الإله ولكن ليس يدريه " وإنما ختم الباب بذكر النار ليمهد للدخول لباب الفص الموالي المخصوص بالاسم اللطيف المتوجه على إيجاد الجن وكلمة خالد في الحكمة الصمدية فألطف الأركان النار التي خلق منها الجن . . . وإلى النار صمد موسى في طلبه حاجته . . . ولخالد قصة إعجاز مع النار . وأما وصف حكمة هذا الفص الموسوي بالعلوية فلها عدة وجوه : - أولا : ورد الاسم " الأعلى " في القرآن تسع مرات وسمى الحق تعالى موسى به فقال في الآية 68 من طه : قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى وهذا في مقابلة قول فرعون في سورة النازعات الآية 24 : فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فلم يصف الحق تعالى أحدا من الرسل بالأعلى إلا موسى فحكمته علوية لعلو درجته في النبوة والرسالة حيث كلمه اللّه بلا واسطة وكتب له